ابن أبي مخرمة
429
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
1071 - [ الخليفة المأمون ] « 1 » عبد اللّه المأمون بن هارون الرشيد الخليفة العباسي ، كان يكنى أبا العباس ، فتكنى في خلافته بأبي جعفر تشبها بالمنصور ؛ لجلالته في أنفسهم ، وتفاؤلا بطول أيامه ، أمه أم ولد ، سوداء ، يقال لها : مراجل . كان ذا رأي وعقل ، ودهاء وشجاعة ، وكرم وحلم ، ومعرفة بعلم الأدب وعلوم أخرى . كان من أذكياء العالم ، ومما يحكى من ذكائه وحسن أدبه : أن أباه الرشيد كان يميل إليه أكثر من أخيه الأمين ، وكانت زبيدة أم الأمين تغار من ذلك ، وتوبخ الرشيد على ميله إلى ابن الجارية ، فقال لها على سبيل الاعتذار : سأبين لك من حالهما ما تعذريني به ، فاستدعى الأمين وكانت عنده مساويك ، فقال له : ما هذه يا محمد ؟ قال : مساويك ، فقال : اذهب ، ثم استدعى المأمون وقال له : ما هذه يا عبد اللّه ؟ فقال : ضد محاسنك يا أمير المؤمنين ، ويروى أنه قال له : مساويء أعدائك يا أمير المؤمنين ، وزبيدة تسمع كل ذلك ، فقبلت عذره . وكان قد عهد بالخلافة للأمين ، ثم من بعده للمأمون ، وجعل للمأمون خراسان وما والاها ، وكتب بذلك كتابا ، وعلقه بالكعبة ، فلما مات الرشيد ، وولي الأمين . . خلع أخاه المأمون ، وحصل بينهما من القتال ما هو مشهور ، وفي غير هذا الموضع مذكور ، فقتل الأمين أول سنة ثمان وتسعين ، وبويع المأمون بمرو في سادس صفر من السنة المذكورة ، وكان قد ترك شعار آل العباس من لبس السواد ، وعهد بالخلافة لعلي بن موسى الرضى ، وأمر بلبس الخضرة ، فخالف عليه بنو العباس ببغداد ، وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي ، ثم دخل المأمون بغداد ، وظفر بإبراهيم وعفا عنه ، وامتحن العلماء في آخر عمره ، وألزمهم اعتقاد أن القرآن مخلوق . وتوفي بطرسوس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين بعد أن عهد
--> ( 1 ) « تاريخ بغداد » ( 10 / 181 ) ، و « المنتظم » ( 6 / 65 ) ، و « تاريخ دمشق » ( 56 / 214 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 15 / 225 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 10 / 272 ) ، و « الوافي بالوفيات » ( 17 / 654 ) ، و « فوات الوفيات » ( 2 / 235 ) ، و « مرآة الجنان » ( 2 / 78 ) ، و « النجوم الزاهرة » ( 2 / 225 ) ، و « تاريخ الخميس » ( 2 / 334 ) ، و « شذرات الذهب » ( 3 / 82 ) .